حق المعاق في الزواج وتكوين أسرة لا ينكره أحد، وأتمنى أن تشمل معونة الزواج توفير السكن الملائم وتأثيثه، مع صرف إعانة شهرية تعينه على تحمل نفقات الأسرة.
لقد أتحفني بريدي الإلكتروني برسالة من قارئ كريم تروي حكايته مع القدر، ومعاناته بعد إصابته بمرض الحمى الشوكية الذي حوَّله هذا المرض، وهو ابن السابعة عشرة من عمره إلى ذوي الإعاقة الكلامية، فقد أخطأ الأطباء في البداية في تشخيص مرضه، وأجمعوا على أنَّه نزلة برد شديدة، إلى أن دخل في غيبوبة، وتمكَّن طبيب مصري من تشخيص مرضه بأنَّه حمى شوكية، وبعد شفائه أصيب بإعاقة كلامية؛ إذ أصبح لا يقوى على الكلام إلا بجهد، وذلك لتراخي الحبال الصوتية بسبب الحمى، وأصبحت أعصاب الوجه مرخية، ومن هنا بدأت معاناته؛ إذ أصبح من ذوي الإعاقة، ويروي القارئ معاناته فيقول:
“إني أكتب لكِ هذه القصة التي حدثت لي، ولم تحدث مع شخص غيري، والتي عرّفتني ما هو الإيمان بالقضاء والقدر حق المعرفة، وتدور أحداث القصة حول مرض الحمى الشوكية أجاركم الله منه؛ فبعد أكثر من عشر سنوات قررت الكتابة عن معاناتي في الحياة، وأعتذر لكِ على الإطالة في المقدمة، وإليك قصتي والتي أسميتها حكايتي مع القدر..”
ويقول بعد رواية معاناته من المرض، وإفاقته من غيبوبته التي استمرت تسعة أيام: “المهم أني أكملت ذلك العام الدراسي على مضض مني، ولم أكن أنوي إكمال دراستي، وتوقّفت عن الدراسة لمدة عامين، وبعدها عدت إلى مقاعد الدراسة؛ ولكن هذه المرة من خلال المرحلة الليلية، وتخرجت في عام 1421/1422هـ، وهنا بدأت معاناتي الحقيقية ألا وهي البحث عن عمل يناسب قدراتي، ولكني لم أجد شخصًا يقبل بي، فأنا إنسان شبه معاق، فذهبت إلى المعهد المهني بجدة فقوبلت بالرفض، ففكرت في العمل، وبعد تفكير طويل وجدت العمل الحر هو أفضل الحلول بالنسبة لي، ولكن ما هو العمل فوجدت سوق الخضار يفتح لي ذراعيه، ففتحت هناك بسطة خضار، وبعد شهرين وجدت نفسي أخسر لأن العمل في سوق الخضار يريد الأخذ والرد مع الزبائن وأنا كما أسلفت لا أستطيع التحدث إلا بصعوبة، وكان كلما جاء إليَّ زبون ينظر في البضاعة ويسأل هذه بكم؟ فأجيبه فينظر إلي ويقول: “سكران و جاي تبيع”، فيتركني ليذهب إلى غيري، فتركت العمل في سوق الخضار بعد فشل ذريع وخسارة، فعدت إلى البيت، ولم أسلم من كلام الأهل ونظراتهم لي، فقلت في نفسي لابد لي من حل، ووقتها أحضر والدي سيارة ليموزين كي تساعد في مصروف البيت، وكان أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات قد ترك دراسته ليساعد في مصروف البيت، وبدأ العمل عليها، وقد كنت أراه يأتي للبيت متعبًا مجهدًا فأخذتها لأعمل عليها، وقد كنت يوميًّا أسمع الكلمات التي تدمي القلب قبل أن تدمع العين “اللي يقول هذا مو صاحي، واللي يقول هذا أبكم، واللي..” وبعد سنتين ونصف السنة من العمل على الليموزين بعد أن ضاقت بي السبل وتكالبت علي الظروف فكرت في حل آخر، وهو أن أدرس وعلى حسابي الخاص في مجال الكمبيوتر بعد أن استدنت من أحد أقاربي مبلغًا من المال، وقد أنهيت الدورة بنجاح بعد ستة أشهر، وبحثت عن عمل طويلاً، وأخيراً وجدت العمل الذي يناسب قدراتي وشهادتي منذ ثمانية أشهر وهو مدخل بيانات في إحدى الشركات، وقد بلغت الآن من العمر 30 عاماً وأفكر في الزواج؛ ولكن المشكلة التي تقف في طريقي هي المادة، كما تعلمين أن الزواج مكلف وأنا لا طاقة لي بمصاريفه؛ رغم أني قد تقدمت إلى مركز التأهيل الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة، وقد تم أخذ جميع أوراقي، وسجلت عندهم كي أتمكن من الحصول على إعانة الدولة السنوية، ولكن سؤالي لكِ هو: هل تكفي هذه الإعانة أو قد تساعد - من هم في حالتي- للزواج؛ رغم أني لم أستلم منها إلى هذا اليوم ريالاً واحدًا، أي لا أعلم كم هو المبلغ؟
وقد كتبت قصتي لكِ كي تكتبي في زاويتك التي تنشر بصحيفة المدينة، والتي لمست فيها الاهتمام الكبير من قبلك بأبناء هذا الوطن الغالي عن ذوي الاحتياجات الخاصة هل يحق لهم الزواج؟ وكيف يتزوج الشاب إذا لم يكن له معين كما هو الحال في بنك التسليف الذي يقرض الشباب بمبلغ يصل إلى 45 ألف ريال؟ وهل يحق لنا أن نحلم بتكوين أسرة كبقية الشباب؟ وهل يحق أن يكون لنا أبناء يساعدوننا بعد أن نكبر في العمر؟
وأتمنى منك قراءة هذه القصة وأن أراها قريباً في زاويتك أيتها السيدة الفاضلة”..
هذه قصة هذا الشاب، وكثير أمثاله ممن شاء الله لهم أن يولدوا معاقين، أو يعاقوا بسبب مرض،أو حوادث سير.
واضح من رسالة القارئ الكريم أنَّه راجع مركز التأهيل الشامل،أو “الإدارة العامة للتأهيل” لصرف الإعانة السنوية له، ولم يراجعها للتخفيف من إعاقته الكلامية، وتأهيله للعمل، وهي إحدى الإدارات العامة بوكالة الوزارة للشؤون الاجتماعية وتعنى بالتخطيط والإشراف والمتابعة لجميع ما يقدم للمعوقين من خدمات من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. والتأهيل: كما عرفه نظام رعاية المعوقين الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/37) وتاريخ 23/9/1421هـ عملية منسقة لتوظيف الخدمات الطبية، والاجتماعية، والنفسية، والتربوية، والمهنية؛ لمساعدة المعوق في تحقيق أقصى درجة ممكنة من الفاعلية الوظيفية، بهدف تمكينه من التوافق مع متطلبات بيئته الطبيعية والاجتماعية، وكذلك تنمية قدراته للاعتماد على نفسه وجعله عضواً منتجاً في المجتمع ما أمكن ذلك، وهذه الإدارة تساعد المعوق على التخفيف من إعاقته ،فالأخ الكريم استسلم بما أصابه من مضاعفات مرضه، ولم يحاول علاج إعاقته الكلامية، بشد حبال الصوت المرتخية لاستعادة قدرته على الكلام، وعمل علاج طبيعي للوجه لإعادة العضلات إلى طبيعتها، وتوجد مراكز مخصصة لعلاج مثل هذه الحالات من قبل مختصين، ومن أهم هذه المراكز يوجد في مستشفى الملك فيصل التخصصي، فيا حبذا لو يراجع ذوو الإعاقة الإدارة العامة للتأهيل بوكالة وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي تقدم لهم الخدمات التي يحتاجونها، لأنَّ الذي يهمني في الأمر هو التخفيف من حدة الإعاقة، أو علاجها والشفاء منها إن كان ذلك بالإمكان. هذا أولاً، وثانياً حق المعاق في الزواج وتكوين أسرة، وهذا حق لا ينكره أحد، وعلى الدولة ومؤسّساتها مساعدته مادياً ومعنوياً ليتمكَّن من ذلك، وأتمنى أن تشمل معونة الزواج توفير السكن الملائم وتأثيثه، مع صرف إعانة شهرية تعينه على تحمل نفقات الأسرة، لأنَّه غالباً يكون راتب المعوق الذي يتقاضاه من عمله راتباً زهيداً لا يغطي نفقات أسرة بأكملها.
أتمنى أن تتبنى الإدارة العامة للتأهيل المهني حالة هذا الشاب، وبإمكاننا الاتصال به عبر بريده الإلكتروني؛ إذ لم يكتب لي رقم هاتفه.
تم إضافته يوم الإثنين 27/10/2008 م - الموافق 28-10-1429 هـ الساعة 10:24 مساءً