مجلة احتياجات خاصة - عمان-الغد- يعتبر اضطراب التوحد من الاضطرابات التي شهدت بحثا علميا وميدانيا مكثفا في ميدان التربية الخاصة وغيرها من الميادين العلمية الأخرى مثل؛ الميدان الطبي، علم النفس، علم الاجتماع، في محاولة مستمرة ومتجددة من قبل الباحثين لفهم هذا الاضطراب. لقد بدأت عملية البحث لفهم وسبر غور هذا الاضطراب منذ اللحظات الأولى لوصف هذا الاضطراب على يد العالم الأميركي، الاسترالي الأصل، ليو كانر.
ويعرّف التوحد بأنه اضطراب نمائي عصبي قابل للتدريب تظهر علاماته الأولية لدى الأطفال قبل الثالثة من عمرهم. وتبدو هذه العلامات ظاهرة في ثلاثة جوانب نمائية هي:
-التواصل بشقيه؛ اللفظي وغير اللفظي.
-التفاعل الاجتماعي.
-الجوانب السلوكية والتي تشمل جملة من السلوكيات والنشاطات والاهتمامات الطقوسية المتكررة.
هذا بالإضافة إلى ضعف القدرة على التخيل واللعب الهادف المقصود والاستجابات غير الملائمة للمدخلات الحسية والقدرة على التقليد ومهارات السلوك التكيفي وبعض المشاكل السلوكية مثل؛ الإثارة الذاتية، العدوانية والنشاط الزائد.
ويصنف التوحد ضمن فئة الاضطرابات النمائية الشاملة أو ما يعرف باضطراب طيف التوحد. تقدر نسبة الإصابة بالتوحد بحوالي 1 لكل 150 طفلاً وتقريباً طفل واحد لكل 94 طفلاً ذكراً، كما أن نسبة حدوثه لدى الذكور أعلى بأربع مرات منها لدى الإناث. وتتسم أعراض التوحد بأنها أعراض عالمية تظهر لدى جميع الأفراد بغض النظر عن أية فوارق ثقافية أو عرقية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تعليمية أو جغرافية.
الخصائص السلوكية للتوحد
عند الحديث عن الخصائص السلوكية المميزة للتوحد لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن فئة الأطفال ذوي اضطراب التوحد فئة غير متجانسة حيث إن الخصائص والأعراض السلوكية الظاهرة تختلف من طفل لآخر. وبشكل عام تتمحور الخصائص والأعراض السلوكية للتوحد حول محورين أساسيين هما: الأعراض الأساسية والتي تستخدم لأغراض تشخيص التوحد من قبل المختصين. والمساندة التي لا تستخدم لأغراض التشخيص ولكنها تساعد المختصين على اتخاذ القرار السليم والتأكد من صحته حول مدى وجود الاضطراب لدى الطفل أو عدمه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الخصائص هي أعراض سلوكية أي أنها تظهر على سلوك الطفل وتمكن ملاحظتها وقياسها بدقة.
وتتمثل الأعراض الأساسية التشخيصية لاضطراب التوحد في ثلاثة جوانب أساسية هي:
-التفاعل الاجتماعي؛ حيث يظهر قصور واضح في القدرة على استخدام المهارات غير اللفظية المتعددة والمتضمنة التواصل العيني المباشر، تعابير الوجه، الأوضاع الجسمية، الايماءات، لتنظيم آلية التفاعل الاجتماعي.
-التواصل؛ ويتمثل ذلك بتأخر أو نقص كلي في اللغة المنطوقة أو القدرة على الحديث. بالإضافة إلى عدم القدرة على إنشاء المحادثات مع الآخرين أو الاستمرار بها.
-الطقوسية وتعرف بالإنشغال الزائد في واحدة أو أكثر من الاهتمامات النمطية والمحدودة والتي تبدو غير اعتيادية من حيث مستوى شدتها ونوعية تركيزها.
أما الأعراض المساندة فتتضمن هذه الفئة من جملة من الخصائص السلوكية والتي قد تظهر لدى بعض الأطفال الذين تم تشخيص اضطراب التوحد لديهم ولكن بدرجات متفاوتة. ويبدو الهدف منها هو تقديم وصف أكثر دقة لمستوى أداء الطفل الأمر الذي يساعد المختصين على فهم الاضطراب والتخطيط لكيفية التعامل معه. وتتضمن هذه الأعراض على سبيل المثال لا الحصر الارتباط بالآخرين إذ يعاني الأفراد ذوو اضطراب التوحد من ضعف في القدرة على الارتباط بالآخرين والتي تظهر على شكل عدم القدرة على تبادل الابتسامة الاجتماعية مع الآخرين أو الضحك بصوت مرتفع من دون وجود سبب واضح لذلك.
بالإضافة للإستجابات غير الاعتيادية للمثيرات الحسية المختلفة
مثل؛ المثيرات السمعية، البصرية، اللمسية، الشمية والذوقية والتي تبدو على شكل استجابات حسية زائدة عن الحد لأبسط المثيرات الحسية.
فضلا عن القدرات العقلية المعرفية التي تتسم بمحدوديتها كما تشير الدراسات العلمية عند مرضى التوحد.
ويُظهر الأفراد ذوو اضطراب التوحد جملة من السلوكيات التي تعتبر غير متناسبة مع عمرهم الزمني والبيئة المحيطة بهم الأمر الذي يقلل من قدرتهم على الاندماج في البيئة أو تقبل الآخرين لهم.
فضلا عن سلوكيات الإثارة الذاتية وهي تأدية مجموعة من السلوكيات النمطية والتكرارية بهدف الحصول على أكبر قدر من الإثارة الحسية من البيئة المحيطة مثل رفرفة اليدين وهز الجسم والحملقة في الفراغ وتحريك أصابع اليدين أمام الوجه وتصفيق اليدين وغيرها.
وتظهر عندهم سلوكيات ايذاء الذات والعدوانية مثل ضرب الرأس في الحائط، عض اليدين، قرص الآخرين.
أسباب التوحد
لعل السؤال الأبرز الذي يتبادر إلى أذهان الجميع، هو ما إذا كانت الأسباب المؤدية للتوحد معروفة أو محددة أم لا. ولعل هذا السؤال هو من أكثر الأسئلة المحيّرة للعلماء وأولياء الأمور والمختصين في العالم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن البحث في أسباب التوحد كان ومايزال من أكثر المواضيع التي تم تناولها من قبل الباحثين في العديد من الدراسات واللقاءات والمؤتمرات العلمية. وللأسف ما يزال ميدان معرفة الأسباب ميداناً مثيراً للكثير من الجدل بين العلماء يشوبه عدد من الاقتراحات النظرية لتفسير أسباب هذا الاضطراب من دون وجود اتفاق موحد حول أحدها.
شهدت النظريات التي أخذت تفسر التوحد تغيراً كبيراً بمرور الوقت. فالنظريات القديمة التي تم افتراضها (كنظرية الأم الجافية أو الأم الباردة) والتي كانت ترى أن التوحد يحدث نتيجة سوء التنشئة الاجتماعية من قبل الوالدين قد تم رفضها ودحضها علمياً وبدراسات علمية. ويتفق عدد كبير من العلماء الآن إلى أن التوحد اضطراب ذو منشأ عصبي بيولوجي له أساس جيني (كما تدعم ذلك دراسات التوائم المتطابقة) يترك أثره على بنية الدماغ وفاعليته العصبية. وبالرغم من هذا الاتفاق إلا أن العلماء ما يزالون غير قادرين على تحديد الجين المسبب للتوحد بدقة وبصورة تُمكِّن من إمكانية التنبؤ أو الوقاية من التوحد.
تشخيص التوحد
لقد حظيت عملية تشخيص التوحد باهتمام كبير لما لها من أهمية في مساعدة المعلمين والمختصين وأولياء الأمور على فهم مستوى الأداء العام للطفل في مختلف الجوانب النمائية، بالإضافة إلى اتخاذ القرارات المرتبطة بمدى الأهليّة لتلقي برامج التربية الخاصة، وإعداد الخطط التربوية الفردية،
فضلا عن اختيار وتطبيق الممارسات التربوية الفعّالة والموثّقة بحثياً.
وتتم عملية تشخيص التوحد في ثلاث مراحل أساسية هي:
-مرحلة المسح والكشف (التعرف) المبكر: وتقسّم هذه المرحلة إلى مستويين، يهدف الأول الى الكشف المبكر عن الأطفال المعرضين لخطر الإصابة بتأخر نمائي عبر تطبيق عدد من المقاييس النمائية، أما الثاني فيهدف إلى التعرف المبكر على الأطفال المعرضين لخطر الإصابة باضطراب التوحد عبر تطبيق عدد من المقاييس وقوائم التقدير السلوكية الخاصة بالتوحد.
-مرحلة التقييم الشامل: والتي تتبع المرحلة الأولى وتهدف إلى إجراء تقييم دقيق وموسع للأطفال المعرضين لخطر الإصابة بالتوحد من خلال فريق متعدد التخصصات يهدف إلى جمع بيانات متعددة من مصادر مختلفة حول جوانب نمائية ووظيفية متعددة.
-مرحلة التشخيص الفارقي: يعرّف التشخيص الفارقي بأنه تلك العملية التي تهدف إلى استثناء الاضطرابات الأخرى والتي تشترك مع التوحد ببعض الصفات أو المظاهر السلوكية بهدف إعطاء تشخيص دقيق وقاطع حول حالة الطفل.
التدخلات التربوية والعلاجية
يعتبر ميدان التدخلات التربوية والعلاجية من أكثر الميادين التي شهدت زخماً علمياً وبحثياً من قبل الباحثين عالمياً. فقد أثبتت الدراسات العلمية أن تقديم التدخلات التربوية للأطفال ذوي اضطراب التوحد أمر ضروري وذو فوائد جمة ومتعددة تسهم في تحسين مستوى قدرات الأفراد والتقليل ما أمكن من شدة وحدة الأعراض السلوكية آنفة الذكر. فقد أشارت الدراسات إلى أن الإسراع في تقديم الخدمات التربوية وبصورة مبكرة (من خلال التدخل المبكر) ينعكس إيجابياً على الطفل وأسرته في سنوات العمر اللاحقة. فكلما كان التدخل مبكراً كان التحسن أعلى وأشمل لجميع الجوانب النمائية والسلوكية لدى الأطفال ذوي اضطراب التوحد.
تقسم التدخلات الخاصة لاضطراب التوحد إلى الأقسام التالية:
-تدخلات بيوكيميائية والتي تتضمن العقاقير والعلاج بالفيتامينات والمكملات الغذائية (الحمية الغذائية).
-تدخلات حسية عصبية والتي تتضمن أسلوب التكامل الحسي.
-تدخلات نفسية والتي تتضمن العلاج بالاحتضان، التحليل النفسي، العلاج بالموسيقى.
-تدخلات سلوكية والتي تتضمن التطبيقات العملية لتحليل السلوك التطبيقي.
ويعتبر التوحد من أكثر فئات التربية الخاصة التي شهدت وماتزال عديدا من البحث والدراسة العلمية لفهم مكنونات هذا الاضطراب وتقديم أفضل النتائج العلمية التي توضح الجوانب المختلفة له.
تم إضافته يوم الأربعاء 12/08/2009 م - الموافق 21-8-1430 هـ الساعة 5:44 مساءً