بي بي سي - مجلة احتياجات خاصة - مصطفى الشناوي:
كل خمس ثوان يفقد شخص حول العالم بصره، وتصل نسبة المكفوفين في العالم العربي عشرة في المئة من حجم السكان، وفق الإحصاءات غير الرسمية. كما يعاني المكفوفون من مشكلات عدة.
- سهيل العكيلي - عراقي في الأردن - 70 عاما
حرماني من نعمة النظر بعد حادث سير أثناء تأديتي الخدمة العسكرية في الجيش دفعني إلى الالتحاق بوظائف تختلف تماما عن وظيفتي الأساسية كجندي.
من ضمن تلك الوظائف عازف في ملهى ليلي. وانكشف الأمر لدى والدي بعد معرفته طبيعة العمل، لكنه طلب أن أعزف له بعض قطع الموسيقى التي تعلمتها بعد حوالى عامين من التدريب في أحد معاهد بغداد دون علمه.
بدأت في العزف، وبدأت معه دموعه في الانهمار ربما حسرة على ما آل إليه وضع ابنه الشاب الذي فقد بصره في سن العشرين.
أما الزواج، فقد طالبني المحيطون بي بالارتباط بكفيفة _ لكني شعرت بالخوف من انجاب أطفال يعانون دون ذنب جراء فقدان بصر كلا الوالدين.
"تعرضت لنصب المشترين"
بعد الحادث، قررت العمل تاجرا في سوق الشورجة في بغداد. لكن تجارتي انهارت.
تحليل للعين
فالمشترون بدأوا في وضع ورقا أبيضا بدل العملات الورقية عند شراءهم بضاعتي.
بدأت رحلة البحث من جديد، ونصحني بعض الأصدقاء بامتهان الموسيقى كمصدر رزق ويخفف وقع نغماتها في ذات الوقت من معاناتي وغيري من الأكفاء.
وبدأت التدريب على الموسيقى لمدة عامين، وبعدها صرت أعمل في فرقة موسيقية في أحد ملاهي بغداد.
هذا العمل وفر لي راتبا قدره 90 دينارا - وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت حيث أن راتب والدي مثلا لم يتجاوز عشر هذا المبلغ شهريا من عمله في قطاع الشرطة.
غضب والدي عندما كشف عملي الجديد واعتبره مخالفا للإسلام والتقاليد، وطالبني بتغيير الوظيفة إلى النقيض منها تماما - إمام ومؤذن في مسجد بعد تدريب في أحد المعاهد الدينية لمدة ثلاث سنوات.
العثور على مهنتي في نهاية المطاف تبعه العثور على شريكة حياتي.
فقد ارتبطت بأرملة لديها عدد من الأولاد الكبار، وذلك بعد امتناع عن الزواج دام ثلاثين عاما بسبب عدم قدرتي على الارتباط بمبصرة من نفس سني.
لكن مشاكلي لم تنه مع إيجاد العمل واتمام الزواج. كل يوم، أشعر في معاملاتي داخل المجتمع بأنني مواطن من الدرجة الثانية، أو هكذا ينظر الآخرون إلى مثلي من الأكفاء الذي لا ذنب لهم فيما حرمهم الله من نعمه.
--------------------------------------------------------------------------
حياة خليل - قطر - 33 عاما
أصبت بكف بصر كلي بسبب انفصال مفاجئ في شبكية العين وأنا في الصف الخامس الابتدائي، وبعد أن أجريت لي ثلاث عمليات في المملكة المتحدة لم تكتب لها النجاح.
واصلت دراستي بثقة بالله عز وجل وبتشجيع متواصل من والدي وأسرتي وبعزيمة قوية, حيث أنني درست في المدارس النهارية العامة في قطر، لأنه لم تكن في ذلك الوقت مدارس للمكفوفين في قطر.
اعتمدت في دراستي المدرسية على الحضور والاستماع لشرح المعلمات في الصف كأي طالبة عادية، وكانت أسرتي تسجل لي جميع الكتب الدراسية المقررة على أشرطة كاسيت.
وفي أيام الاختبارات كانت وزارة التربية والتعليم تعقد لي لجنة خاصة وتوفر قارئة تقرأ الأسئلة لي وتكتب الأجوبة التي أمليها. وفي 1994 تخرجت من الثانوية العامة من قسم أدبي فرنسي بترتيب العاشر على قطر.
التحقت بجامعة قطر كلية الانسانيات والعلوم الاجتماعية قسم اللغة العربية. وكنت في دراستي الجامعية أسجل المحاضرات على أشرطة كاسيت مع الدكتور أو الأستاذ, وأكتب الملاحظات والملخصات بطريقة برايل, وكذلك كانت أسرتي تسجل لي الكتب المقررة على أشرطة كاسيت.
وفي 1998 تخرجت من جامعة قطر بتقدير امتياز، وكنت الأولى على دفعتي في بكالوريوس اللغة العربية. ثم درست الماجستير من الولايات المتحدة وبدأت منذ عدة سنوات في الدكتوراة.
"لست معاقة"
لا أشعر أنني معاقة لسببين:
السبب الأول تفوقي في التعليم حيث أنني كنت من الطلاب الأوائل دائما.
أما السبب الثاني فهو ثقتي في نفسي. هذا الثقة دفعتني إلى أن أعمل مدرسة للغة العربية في معهد النور للمكفوفين في قطر.
وهذه الثقة هي أيضا التي دفعتني بطموحاتي الكبيرة إلى تولي إدارة المعهد، الذي يوفر خدماته لحوالي 300 مكفوف مثلي، في هذا السن الصغير.
أهم شى يحتاج إليه المكفوفين في الوقت الحالي هو التكنولوجيا، حيث أنها تساعد كثيرا في تحصيل المعلومات وتوفير الوقت بالنسبة لهم.
--------------------------------------------------------------------------
سلامة صبري - 39 عاما - مصر
تمثلت المشكلة الأكبر في دراستي.
طوال فترة الدراسة، كنت أقرأ سمعيا دون استخدام لأي من أنظمة القراءة المخصصة للمكفوفين كبرايل.
هذه المشكلة تتجسد بشكل واضح أيام الامتحانات. فعلى الكفيف أن يستعين بمن يكتب ما يمليه عليه في ورقة الإجابة. لكن صار من الصعب العثور على شخص يجيد فن الكتابة دون أخطاء إملائية، خاصة في ظل تدهور مستوى التعليم في مصر. وهو ما يؤثر بالطبع على نتيجة الكفيف في الامتحانات.
المشكلة الأخرى تتمثل في الوضع المادي للمكفوفين. فالمكفوف يحصل من الدولة إعانة تقدر بثمانين جنيها مصريا (حوالى 15 دولارا) شهريا - مبلغ ضئيل للغاية.
لكن الحكومة تمنح الأكفاء بعض الامتيازات كتخفيض في تعريفة وسائل المواصلات وشقق في المناطق الجديدة بأقساط مريحة في السداد.
تسير حياتي تسير بشكل عادي كما لو أنني مبصر تماما مثلك. فعندما حدثتني قبل قليل، كنت أشارك في احتفالية اليوم الرياضي الذي يشمل السير على كورنيش النيل التابع لمحافظة سوهاج (في جنوب مصر)
كما أنني رشحت نفسي لعضوية المجلس المحلي للقرية التي انتمي إليها. وقبل صلاة كل جمعة ينتظرني حوالى 300 مصلي لصعودي على المنبر لإلقاء الخطبة. ألم أقل لكم إنه لا يوجد فرق بين أعمى ومبصر؟