مسيرة التربية الخاصة في المملكة من العزل إلى الدمج)
الإصدار الحديث لرائد التربية الخاصة في المملكة دكتور ناصر علي الموسى
مع ملف لحوار مسبق لكنه ثري بسيرة رجل نذر جل وقته من أجل التربية الخاصة و كان له ما أراد مع زملاه ...
مقتبسه من مجلة اليمامة العدد 1840 - 15/01/2005
اشتريت (سيكل) لتحدي أطفال الحــارة
حوار : شقران الرشيدي
هو ابن "روضة سدير" القرية الهادئة الضافية على كتف كثبان نجد الرملية.. أخذ من بيئته الصحراوية الصبر وسعة البال واكتسب منها حب التفوق والمثابرة الدائمة سعياً نحو ما يؤمن به.. لم تثنه الإعاقة البصرية التي أصيب بها من ظروف غامضة عن المضي خلف حبه للمعرفة والعلم، ولم ييأس من رفض المدارس الحكومية قبوله لأنه أعمى، فأصر على الدراسة مهما كان الثمن حتى سمح له والداه الأميان البسيطان بالالتحاق بمعهد النور للمكفوفين بالرياض لتنطلق شرارة الإبداع وتتفجر طاقاته ومواهبه في الشعر والخطابة والتميز العلمي في هذه البيئة المثالية للتعلم مما أهله للابتعاث إلى أمريكا للدراسة العليا فحصل على شهادتي بكالوريوس في علم النفس والتربية الخاصة في مدة دراسية واحدة، وانتخب رئيساً لاتحاد الطلبة الأجانب في أمريكا وشارك بفاعلية في مشروع عالمي أضاف الكثير لذوي الاحتياجات الخاصة لتطويع الكمبيوتر ليكون في خدمة المعاقين، عاد بعد حصوله على الدكتوراه أكاديمياً بارزاً في الجامعة ثم مشرفاً على التربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم.. بقي أن نذكر أن د. الموسى مبدع سعودي تغلب على الإعاقة البصرية ليصبح أحد الفاعلين المهمين في المجتمع وفي ذات الوقت قدوة لكثير من هذا الجيل.. ومشواره الذي يرويه هنا أبلغ دليل.
د. ناصر الموسى كيف أصبت بالعمى؟ وهل هو مرض في الصغر؟
- فقدت بصري وأنا صغير في عمر سنة واحدة في ظروف غامضة، فلا الوالد -رحمه الله- كان يعرف ولا والدتي كذلك ولا المحيطين بي يعلمون الأسباب، ففي ظل مجتمع صغير وضعف الخدمات الصحية في ذلك الوقت كان كثيراً من الأمراض تصيب الإنسان دون أن يستطيع معالجتها، والحمد لله أن الذي يفقد بصره منذ الصغر لا يتأثر كثيراً بذلك وهذه حقيقة علمية ثابتة، فهناك فرق بين من يفقد بصره في الصغر ومن يفقده في الكبر لأن الصغير لا يعاني من مشكلات نفسية لأنه لا يتحسر على شيء فقده منذ الصغر، وقد تكون لديه مشكلات اجتماعية وأنا أتحدث بعلمية فكثير من الأشياء تكتسب عن طريق التعلم من الآخرين لذا نحن نركز في برامجنا التعليمية الآن على أن هؤلاء الذين يفقدون بصرهم قبل سن الخامسة نؤهلهم للتعلم كما يتعلم الآخرون. أما الذي يفقد بصره بعد سن الخامسة فهذا لا يعاني من مشكلات اجتماعية لأنه اكتسب المفاهيم الأساسية وتعلمها فعلاً لكنهم يعانون من مشكلات نفسية وتحسر على ما فقده، وهناك نظريات ترى أن من يفقد بصره في الكبر كمن فقد حياته وقد لا تكون دقيقة لكن هناك من يصورها بهذا الشكل من خلال التجارب. وأنا ممن فقد بصره في الصغر لذا ليس لدي مشكلات نفسية ولا غيرها.
بعد هذا المشوار الحافل ماذا تذكر لنا د. ناصر عن طفولتك ونشأتك بذكرياتها المختلفة وملامحها الجميلة؟
- فيما يتعلق بطفولتي فهي لا تختلف عن طفولة أي شخص آخر ولم يكن لها ذلك التميز الذي تختلف فيه من طفولة الناس الآخرين، ولدت في مدينة روضة سدير 1375هـ 1955م، وكانت حياتي في مجتمع ريفي صغير أعطاني -لانشغال والدي ووالدتي -رحمهما الله- الفرصة لكي أعيش طفولة عادية دون رعاية زائدة أو غيرها فكنت ألعب وأمرح مع الأقارب والأقران وأعمل معظم الأشياء التي يعملونها ما عدا الأمور التي تحول دونها الإعاقة البصرية حتى إنني أذكر أنهم حين اقتنوا دراجات هوائية (سياكل) للسباق كنت من ضمن من اقتنوها. وعموماً كان مجتمعاً بسيطاً وهادئاً، وفي الحقيقة قضيت طفولة سعيدة تتسم بالسعادة والتلقائية لا يوجد فيها تكلف، وعندما بلغت سن السادسة وهو سن الدراسة حاول والدي الحاقي بالمدرسة لكن المسؤولين قالوا إن المدارس العادية لم تعد تقبل المعاقين بصرياً كما كان في السابق دون مساندة نظامية لكنها تجاوزاً كانت تقبلهم في العلوم الشرعية والعربية دون غيرها.
ذكريات معهد النور
الخطوات الأولى في عالم المعرفة ترسخ دائماً في زوايا الذاكرة، ماذا عن ذكريات الدراسة الأولية؟
- في عام 1381هـ (1961م) بعد أن رفضت المدارس العادية قبولي نهائياً، وأبلغ والدي أن هناك مدارس خاصة بالمعاقين ومعاهد فتحت لهم لتدربهم في مدينة الرياض منها (معهد النور) لكن سني لا يسمح لي بالالتحاق بهذا المعهد ووالدي لم يقتنعا بفكرة سفري إلى الرياض لوحدي خصوصاً أن المعهد لم يكن فيه وقتها سكن داخلي للطلاب القادمين من خارج مدينة الرياض، فانتظرت ثلاث سنوات حتى وفق الله عندما سافرت إحدى أخواتي البنات برفقة زوجها إلى مدينة الرياض للعمل هناك فذهبت برفقتهم وسكنت عندهم والتحقت بمعهد النور وكان ذلك في عام 1384هـ (1964م) وبدأت الدراسة به.
يقال إنك برزت كثيراً في دراستك بمعهد النور وتفوقت بمواهبك المتعددة في الشعر والخطابة ماذا عن مرحلة الدراسة في المعهد؟
- الحقيقة أن (معهد النور) منذ تأسيسه وهو يطبق المناهج نفسها التي تطبق في المدارس العادية للمبصرين كاللغة العربية والعلوم والرياضيات وغيرها من المناهج الأخرى فالتحقت فيه وقضيت أجمل الأيام الدراسية من حيث إنني كنت من المتفوقين ومن المشاركين في النشاط الذي كان له دور كبير في حياتي فيما بعد، فقد تعلمت الخطابة والإلقاء والشعر، وكنت أكتب الشعر في وقتها وكان من الأشياء التي قلتها قصيدة يقول مطلها:
يا سعودية أنت في الوجود
نغم ينساب في لحن الخلود
قد حباك الله أشبال الأسود
كل مجد حازه آل سعود
وكان هناك قصائد أخرى وأناشيد أكتبها لزملائي الطلاب التي كانت تلقى في الحفلات الدراسية بالإضافة إلى الأنشطة الأخرى التي يقيمها المعهد، والحقيقة أنني استفدت كثيراً من الدراسة فيه وهو علامة بارزة في حياتي.
هل تذكر زملاء معهد النور الذين لا يزالون في الذاكرة؟
- كنا عبارة عن مجتمع صغير نحب بعضنا البعض وتسود فيه المحبة والإخاء وكان وسطاً جميلاً والأصدقاء كثيرون لا أود ذكر أحد حتى لا أنسى الآخرين.
حياتي عبارة عن مراحل مهمة:
ما هي أبرز مراحل حياتك والمحطات التي استفدت منها كثيراً؟
- تخرجت وكنت الأول على الطلبة على مستوى المملكة وهذا منحني فرصة للدراسة والابتعاث إلى أمريكا لإكمال دراستي هناك وكانت نقلة مهمة في حياتي التي يمكن إن جاز التعبير تقسيمها مراحل مهمة مرحلة ما قبل الدراسة في مدينتنا حيث كانت قرية في ذلك التاريخ لكنها الآن مدينة في ظل النهضة الشاملة التي تحظى بها مملكتنا الغالية، أما المرحلة الثانية فكانت في معهد النور والنشاط والدراسة والمرحلة الثالثة الدراسة في أمريكا حيث تعلمت الكثير من الأمور المهمة في حياتي.
وفي أي عام كانت البعثة؟
- ابتعث إلى أمريكا في عام (1977م).
هل ذهبت بمفردك أم رافقك أحد من زملائك والأصدقاء؟
- لا والله يا شقران لم يكن معي أحد، بل كنت لوحدي، وكان هذا من الأمور التي أحبها لأنني أفضل الاعتماد على النفس كثيراً وأحب المغامرة وهذا لم يمنع أنني كنت مهيئاً نفسي لكثير من الأمور، وأخذت معي عنوان المكان الذي سأذهب إليه، وفي الطيران العالمي هناك ميزة جيدة وهي العناية بالمعاق وتهيئة الظروف له للتنقل وتخصيص شخص لإنهاء كافة أموره في المطار. وطالما أن الإنسان عنده الإرادة والعزيمة تحقق كثير من الأمور، وقد تجد أصحاباً في الرحلة وأشياء من هذا القبيل، وأذكر أن من المفاجآت أنني عندما دخلت على الزملاء في الملحقية السعودية في هيوستن بتكساس استغربوا من دخول شخص كفيف لا يعرفون كيف التعامل معه ولا كيف يوجهونه!! وكانوا يوجهون الطلبة السعوديين إلى معاهد اللغة للدراسة، أما أنا فكانوا محتارين كيف يتعاملون معي!! فشرحت لهم أن لدي عنوان المركز الذي أنوي الدراسة فيه وهو مركز تأهيل في أركنسا في أقصى الجنوب في أمريكا ووجهت له واستقبلني الزملاء في المركز وسافرت من هيوستن إلى مدينة (ليتل رك) في أركنسا ودرست في المركز التأهيلي لمدة ثلاثة أشهر خاصة باللغة وهو عبارة عن مركز لإعداد خريجي الدراسة الثانوية للالتحاق بالجامعات ثم التحقت بجامعة سان فرانسيسكو الحكومية في كاليفورنيا ودرست فيها ثلاث سنوات واستطعت إنهاء البكالوريوس في مدة وجيزة وحصلت فيها على تخصصين اثنين في آن واحد تخصص في علم النفس، وبعدها التحقت في الماجستير في التربية الخاصة وكان تركيزي فيها على الإعاقة البصرية وهكذا في الدكتوراة ودرست لمدة (10) سنوات في أمريكا وكلها أحصل فيها على امتياز مع مرتبة الشرف الأولى.
لماذا اخترت هذا التخصص دون سواه؟
- السبب أنه حقل جديد في تلك الفترة ولم نكن نعرف عنه شيئاً في الوطن العربي وكذلك أمريكا، وهناك سبب آخر حيث كان لدي شعور من فترة أن ذوي الاحتياجات الخاصة كان يجب أن يتولى أمورهم بأنفسهم ويعتمدوا على أنفسهم في الدفاع عن قضاياهم والمطالبة بحقوقهم وإبراز ما يخصهم هم، فقد تشبعوا كثيراً من أن الناس الآخرين يتحدثون عنهم، صحيح أن الإعاقة لا تجعل الشخص متخصصاً في أمور علمية، فرأيت أن أجمع بين الأمرين أن أكون متخصصاً علمياً ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا ما دفعني للتخصص في مجال التربية الخاصة وواصلت الماجستير والدكتوراه في هذا الحقل.
لا شك أن رحلتك المعرفية إلى أمريكا وانتقالك من مجتمع محافظ إلى آخر منفتح خلف لديك العديد من الانطباعات والذكريات، ما هو تأثير ذلك على د. ناصر الموسى ومشوار حياته؟
- في الحقيقة استفدت كثيراً من الدراسة في أمريكا وكانت نقلة كبيرة في حياتي، كمجتمع جديد وثقافة جديدة وعالم آخر، والإنسان الذي وهبه الله العقل يميز بين الغث والسمين فكنت أحاول كبقية الناس الآخرين الذين ذهبوا للدراسة في أمريكا وغيرها من الدول الأخرى نختار الشيء الذي يتماشى مع ديننا وثقافتنا وعاداتنا ونبتعد عن كل ما يتعارض معها، وفي أمريكا الخدمات متقدمة جداً الخاصة بالمعاقين، وأود أن أركز على تجربتين مهمتين خضتهما في أمريكا كان لهما الدور المؤثر في حياتي فيما بعد وساعدتني كثيراً، الأولى أثناء دراسة الدكتوراه في جامعة (فاندربولت) وهي جامعة عريقة في ناشغيل في ولاية (تنسي) في الجنوب الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، انتخبت مرتين لرئاسة اتحاد الطلبة الأجانب في التربية الخاصة في هذه الجامعة وظللت رئيساً لهذا الاتحاد حتى عودتي للمملكة، وتجربة رئاسة الاتحاد الذي يجمع الطلبة من مختلف بقاع الأرض يمنح الإنسان فرصة للتعرف على أطياف من الثقافات والعادات والتقاليد ويساعد الإنسان على التحلي بالصبر والحكمة وحسن التعامل مع الآخرين والتسامح في تقبل الاختلاف مع الآخر وهذه تجربة أثرت في حياتي كثيراً وفي كيفية التعامل مع الناس وفي كيفية الوصول للأمور من أسهل الطرق وأشياء كثيرة من هذا القبيل.
اتحاد الطلبة الأجانب
ما هي ذكرياتك في اتحاد الطلبة الأجانب في أمريكا؟
- الذكريات كثيرة في اتحاد الطلبة ومنها أن بعض الطلبة الأجانب من الدول الفقيرة يأتون ولديهم توقعات مختلفة تماماً ويظنون أن أمريكا هذه كلها فلوس وذهب وما أن يصل لها سيصبح تاجراً ثرياً، وآخرون يتوقعون أن الخدمات متوافرة في كل مدينة وولاية، صحيح أن الخدمات في أمريكا متوافرة لكن لا بد للإنسان أن يصل لها بأسلوب وطريقة للاستفادة منها، فكثيراً ما لاحظنا أن الإنسان يأتي بتوقعات تختلف تماماً عن الواقع الموجود في أمريكا فكنا نقيم دورات تأهيلية للطلبة القادمين من الدول الفقيرة حتى يستطيعوا التأقلم مع الواقع وكيف يعيشون مع الصدمة الحضارية التي يواجهونها والتي لها دور كبير في حياة الطالب، وقد تغير حياته رأساً على عقب، فكنا نتعامل مع فئات مختلفة، وهناك الكثير من المواقف لها الطريف وغير الطريف لكن هذا بشكل مجمل ولدي العديد من الأصدقاء لازلت أتواصل معهم حتى الآن من البرازيل وأمريكا واليابان وبلاد عديدة وظلت العلاقات بما يخدم المصلحة.
بعد هذا العمر المعرفي الطويل ما هي التجربة التي ترى أنها أثرت بك كثيراً وحددت ملامح مشوارك المعرفي؟
- أود التطرق للتجربة التي خضتها وأثرت بي كثيراً هي أن المشرف على رسالتي للدكتوراه هو أستاذ اسمه (سام أشكروفت) وكان عالماً ضليعاً في حقل التجربة الخاصة وله مؤلفات كثيرة ومن قادة الفكر في مجال التربية الخاصة من العلماء البارزين في أمريكا خاصة الإعاقة البصرية، وكان قد بدأ اهتمامه في بداية الثمانينيات الميلادية بموضوع جديد أو كما كان يسميه مشروع علمي كبير حصل لأجله على منحة مالية من بعض شركات ومؤسسات القطاع الخاص الأمريكي كان يطلق عليه تطويع التقنية الحديثة لمصلحة ذوي الاحتياجات الخاصة وبالذات المعوقين بصرياً، وكان همه أن يجعل الكمبيوتر من الأدوات التي يستخدمها الكفيف، فبدأنا هذا المشروع وكنت من ضمنه وأعتز كثيراً بذلك وتدور فكرته على تطويع (الهارد وير) و(السوفت وير) والبرامج لخدمة المعوقين بصرياً ومن ثم تدريب المعلمين على ذلك لنقل الخبرة والتجربة وكنا نزور الكثير من الولايات والمدن لإقامة ورش عمل للمعلمين في مجال التقنية الحديثة وكانت بالنسبة لي تجربة واستفادة كبيرة جداً في الجانب العلمي المهني في استخدام التقنية الحديثة في عملي فالحاسب الآن من الأدوات المهمة لجعل المعوق يعتمد على نفسه في الاتصال مع الآخرين ومع العالم بشكل عام، فالنصوص تتحول إلى لغة (برايل) والخط العادي في ثوان والعكس صحيح، وهذا المشروع أفادني كثيراً، وهي تجربة تركت في نفسي أثراً كبيراً وفي تعاملي مع الآخرين واعتمادي على الله ثم على نفسي.
أمريكا قبل الحادي عشر من سبتمبر
كيف ترى أمريكا قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001م وبعده؟
- قبل الحادي عشر من سبتمبر (2001م) كانت أمريكا تختلف تماماً عن واقع الحاضر للأسف وكان السعوديون يحظون في تلك الفترة "الجنتلمان" والأولوية في أمور كثيرة، والأمريكان كانوا يحبون السعوديين كثيراً من واقع تجربتي الخاصة بحكم علاقتنا وقربنا معهم وصداقتنا جداً مميزة ولنا حظوة خاصة وعند الجاليات الأخرى في أمريكا ولا سيما في اتحاد الطلبة الأجانب الذي كنت أرأسه وهذا يعود لمكانة الدولة السعودية في نفوس شعوب العالم الأخرى من حيث الاستقرار السياسي والأمن وكونها قبلة المسلمين هذه العوامل أوجدت لنا سمعة جيدة في أي مكان نذهب له نجد التكريم والاحترام والحظوة، أما الآن فأعتقد أن الأمور اختلفت كثيراً.
أستاذ مساعد:
بعد عودتك من البعثة، ما هو أول عمل توليته؟
- بعد عودتي إلى المملكة (1987م) التحقت بجامعة الملك سعود كأستاذ مساعد في كلية التربية في قسم التربية الخاصة وهو قسم جديد أنشئ حديثاً، وهذا أول عمل لي، وكنت أظن أن عطائي في المجال الأكاديمي سيكون أفضل من العمل الإداري، والجامعة هي بيئة أكاديمية جميلة ونحن الأكاديميين الذين عملنا في الجامعة دائماً نحن إلى أروقة وقاعات الجامعة لأن العمل الأكاديمي يبقيك دائماً على اتصال بمجال تخصصك والعلم الذي درسته والأمور التي تحبها، أما التعامل مع الطلاب فهو من الأمور المحببة لي لأنني أشعر بأنهم أبنائي، وكثير من الزملاء يحملون نفس المشاعر، والجامعة بيئة أكاديمية مميزة فيها المحبة والذكريات الجميلة مع الطلاب وستظل ذكريات الجامعة عالقة في ذهني ولا يمكن أن أتخلى عنها وأتمنى أن يتاح لي المجال وأتعاون مع الجامعة متى ما كانت الظروف ملائمة.
بعد المرحلة الأكاديمية.. أين كانت وجهتك العملية؟
- بعدها انتقلت إلى وزارة التربية والتعليم في إدارة التربية الخاصة كمشرف عام عليها وظللت في هذا المنصب حتى عينت قبل عامين مستشاراً للتربية والتعليم في الوزارة، ولازلت في مجال التربية الخاصة الذي أحبه، وأعتقد أنني أستطيع أن أفيد بلدي من خلاله، وفي غيره من المناصب الأخرى وأنا أضع أمام عيني خدمة وطني في المقام الأول متى ما وجدت الفرصة لذلك.
التربية الخاصة
ما هو أبرز ما قدمته للتربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم منذ توليك مهمة الإشراف على هذا المجال التربوي الهام؟
- نعم أسلوب دمج الأطفال ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة والذي توسعنا فيه توسعاً كبيراً وأحدثت نقلة تربوية كبيرة فمن حيث الكم كان عدد معاهدنا للبنين والبنات في عام 1416هـ لا يزيد عن (66) معهداً وبرنامجاً أما الآن فوصل عددها إلى (1579) معهداً وبرنامجاً مخصصاً للأطفال ذوي الاحتياجات التربوية والتعليمية الخاصة خلال سبع سنوات، أما في المجال النوعي فهناك نقلة متميزة من حيث إنه جاء لصالح البرامج المستخدمة في المدارس العادية لم نعد نفتح معاهد كبيرة كما في الماضي، بل نفتح برامج خاصة أوفصولاً خاصة في المدارس العادية لذوي الاحتياجات، أو معلماً متجولاً أو معلماً مستشاراً والهدف هو نقلة للبيئة الأقل قيوداً لأن المعاهد الخاصة تعتبر بيئات مثالية معزولة بينما حياة الطفل ليست بهذا الشكل، بل لا بد أن يندمج مع الناس سواء في المدرسة أو حين يكبر في المجتمع فإذا عزلناه منذ الصغر في المعاهد والمدارس الخاصة ثم دمجناه في الكبر مع المجتمع يجد صعوبة في التأقلم وقد نخسره والدمج هو وسيلة وليس غاية، لدينا وسيلة لتمكين الطفل من النجاح في الحياة ولن ينجح إلا إذا دمج مع أقرانه منذ الصغر حيث يكتسب المفاهيم الأساسية التي بموجبها تتشكل اتجاهاته نحو الآخرين، فالأطفال مع بعضهم البعض يتعلمون ويستفيدون، وخدمات التربية الخاصة في الوزارة لم تعد تتركز في المدن الكبيرة فقط، بل تنتشر في الأرياف والقرى والهجر الصغيرة في أماكن مناسبة بحيث يظل الطفل مع أهله لما لذلك من قيمة تربوية واجتماعية وأسهم في حل مشكلات كبيرة وفق بنية أسرية متكاملة. كما أن خدمات التربية الخاصة توسعت وشملت فئات من المعاقين جديدة.
وهذا يفسر زيادة عدد الأطفال المستفيدين من خدمات التربية الخاصة من (5208) أطفال في عام (1416هـ) والآن وصل عددهم أكثر من (84132) طالباً وطالبة فهذا يشرح التطور الكمي في الخدمات التي نقدمها والعدد الكبير من المستفيدين ولدينا مختلف أنواع الخدمات كالمعاهد النهارية والفصول الملحقة بالمدارس العادية وغيرها كثير.
وقد واجهنا بعض المعوقات والتي تمثلت في عدم تقبل بعض أولياء الأمور أن يدمج هذه الفئات في المدارس العادية وساندهم بعض المدرسين والطلاب الآخرين ولم تكن الاتجاهات إيجابية لكننا أخذنا هذا الأمر من منطلق توعوي لنريهم بأنفسهم الاستفادة التي تحققت وحازت على رضاهم في نهاية المطاف وتفوق بعض المعاقين على زملائهم العاديين دراسياً واستطعنا تقديم كفاءات جديدة مفيدة للوطن كما أن لها العديد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.
الجوائز والتكريم
حصلت على العديد من الجوائز والشهادات التكريمية المحلية والعربية والدولية، فما هي أبرز تلك الجوائز والشهادات؟
- التكريم هو لهذا الوطن الغالي الذي هيأ لنا كل أسباب التقدم والرقي، وأود هنا أن أشير إلى بعض المواقف التي لها علاقة بهذا الموضوع أنه في إحدى السنوات في مدينة باريس عاصمة فرنسا عقد مؤتمر لليونسكو تحت عنوان (التعليم للجميع) وفي إحدى الجلسات الرئيسة كان محور النقاش عن (ذوي الاحتياجات الخاصة) فأخذت الوفود تتحدث عن جهود دولها في هذا المجال وتعدد مناقبها، فطلبت الكلمة وتحدثت وقلت لهم إن أكبر دليل على اهتمام بلادي بذوي الاحتياجات الخاصة هو وجودي بينكم الآن فأنا المعوق الوحيد في هذا المؤتمر الكبير الذي يضم علماء ومفكرين بارزين وصفوة من الباحثين فصفق الحاضرون كثيراً ليس إعجاباً بكلامي، بل تقديراً لبلادي. وهذا هو المهم، وأنا قد حصلت على العديد من الجوائز التكريمية، وأعتز وأفتخر كثيراً بجائزة تميز معوق التي حصلت عليها من جمعية الأطفال المعوقين قبل عامين وتسلمتها من يد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز وسأظل أعتبرها وساماً على صدري لأنها اعتراف من الجمعية بجهودي في هذا الجال.
هل أنت متابع جيد للصحافة المحلية؟
- أنا أتابع الصحف والمجلات المحلية وأحاول قدر ما أستطيع رغم المسؤوليات والمشاغل المتواصلة، وكما تلاحظ نحن نعمل في النهار والليل.
كم عدد الساعات التي تمارس عملك فيها؟
- والله ما أقل من (12) ساعة يومياً أبدأ عملي من (,730) صباحاً حتى (,420) بعد العصر، ثم أعود في المساء من الساعة (7) حتى الساعة العاشرة مساءً.
وأنا أعلم أن لأسرتي ولنفسي علي حقاً لكن حبي لعملي يجعلني أعمل وأنا مرتاح ومبسوط وأجد نفسي في العمل.
كم يبلغ عدد أفراد أسرتك؟
- لدي سبعة أبناء ثلاثة أولاد وأربع بنات، وأكبرهم عبدالله وهو في كلية الطب وبعده علي في كلية الحاسب أما البنات فالكبرى في الثانوية والباقي في المتوسطة والابتدائي. ومنهم من لم يدرس حتى الآن.
ما هي فلسفتك في تربية أبنائك؟
- التربية ضرب من ضروب التحدي وأعتقد أن أكبر استثمار هو في استثمار البشر وأي شخص عليه مسؤولية كبرى في مجال تربية الأولاد فالتربية الصالحة لمصلحة الإنسان ووطنه والمجتمع، وواجب على كل شخص إيجاد تربية جيدة في الأسرة وأنا أحرص على النقاش الهادئ مع أبنائي والحوار وكل أمورنا نتناقش فيها ونأخذ الرأي بالأغلبية ولا بد من تشجيع الأبناء على التعبير عن رأيهم وأم عبدالله تسهم معي بشكل كبير في هذا الاتجاه.
ما هو السر الذي تكشفه لأول مرة؟
- لا يوجد لدي أسرار، وأنا من النوع الشفاف ولست كاتم أسرار وهذا أمر يعرفه جميع المحيطين بي فكل ما يأتي على بالي أتحدث به، ونادراً ما تجد عندي سراً، وقد يتحرج بعض الأصدقاء من إخباري بسره خوفاً من أن أذيعه (يضحك).
ما أجمل هدية تلقيتها؟
- الهدايا كثيرة.. والهدايا هي تعبير عن حب وشعور معين داخلي للإنسان فكل ما قدم من هدايا هو غالٍ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تهادوا تحابوا).
ما هي مشاريعك المستقبلية؟
- لدينا مشاريع كثيرة لذوي الاحتياجات الخاصة ومن ضمنها الاستمرار في سياسة الدمج وتقديم الخدمات لهم، ونحن بدأنا لكن الطريق لا يزال أمامنا طويلاً، والدراسات العلمية تشير إلى أن هذه الفئة نسبتها في المجتمع 20% وهي نسبة كبيرة من طلاب المدارس وهي نسب عالمية في أمريكا وأوروبا وغيرها وتسمى الإعاقة الخفيفة البسيطة وتمثل نسبة 75% من ذوي الاحتياجات الخاصة، كما أننا شكلنا مجموعات استشارية في حدود (9) مجموعات مقسمة حسب مجالات التربية الخاصة لترتقي بعمل التربية الخاصة. كعمل مؤسسي وهو من المشاريع المهمة بالنسبة لي شخصياً، ونتطلع كذلك لتشكيل المجلس الأعلى لذوي الاحتياجات الخاصة لشؤون المعوقين، وكان قد صدر أمر ملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ورئيس الحرس الوطني ونائب رئيس مجلس الوزراء رئيساً لهذا المجلس لكننا نحتاج إلى آلية لتفعيل ورسم السياسات العامة المتعلقة بالمعوقين في المملكة وهذا سوف يحدث نقلة نوعية في الخدمات المقدمة للمعوقين بشكل عام.
ما هو آخر كتاب قرأته؟
- كتاب (اللغة العربية والعولمة) ومعظم قراءاتي في حقل التربية الخاصة رغم محاولاتي للمتابعة والاطلاع على كل جديد.
ما هي الصفة التي لا تعجبك في جيل اليوم؟
- بعض التطرف والغلو في الشباب المغرر وعدم تقبل الآخرين والتعصب للرأي وأنه الصحيح وغيره خطأ رغم أن ديننا يدعونا للمحبة والتسامح، وكل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده، وبلدنا مستهدفة لأنها قلب الإسلام ولأنها بارزة ومهمة على مستوى العالم ولا بد أن نتحد ونلتف حول قيادتنا.
ما هي أحب المدن إلى قلبك التي تفضل قضاء إجازتك فيها؟
- على فكرة أنا من فترة طويلة لم آخذ إجازات من العمل ومنذ سبع سنوات لم آخذ سوى أيام معدودة لذا فكل مدن الوطن غالية ومحببة عندي وفيها أحب أن أقضي أيامي.
كيف تقضي وقت فراغك؟
- للأسف لا وقت فراغ كبير لدي وكلما سنحت الفرصة استثمرها في القراءة.
ما هو الموعد الذي تخلفه متعمداً؟
- أنا من الذين يحترمون المواعيد.. وفي رأي أن تقدم بعض الدول هو بسبب احترامها الوقت وتخلف بعضها هو أيضاً لعد م احترامها للوقت.
وأثبت التاريخ أن الوقت هو من أهم الأمور التي تعنى بها الدول.
رغم أنك كفيف إلا أنني ألاحظ أنك تتجول في مكتبتك وفي أروقة الأمانة العامة للتربية الخاصة دون مساعدة من أحد.. فكيف تتمكن من ذلك دون معاونة؟
- جميع المكفوفين عندما يتعودون على مكان معين يصبح بالنسبة لهم بيئة صديقة ويعرفون كل زواياها ومناطقها وأبعادها، لكن لو خرج الكفيف إلى بيئة جديدة يحتاج إلى مساعدة من الآخرين، وبالنسبة لي لا أجد صعوبة في التنقل لأنني أعتمد على نفسي كثيراً