أطفال التوحد

د. صالح الزهراني
التوحد اضطراب انفعالـي يشمل جوانب عديدة من شخصية الطفل كالنمو ، والتخاطب اللغوي ، والحركة ، والتفاعل الاجتماعـي ، وضعف التذكر . وحتى اليوم لم يظهر دراسات علمية يقينيّة في مسببات هذا المرض ، أما أعراضه فهي كثيرة تتجسد في عزلة الطفل ، وكثرة حركته ، وضعف تواصله ، و تخلفه العقلي في بعض الحالات .
اضطراب التوحد كما تشير الدراسات المتخصصة يظهر في الشهور الأولى من ولادة الطفل ويستمر معه طوال حياته ، ولذلك يشكل عبئا نفسيا هائلا على الأسرة والمجتمع .
تذهب الإحصائيات إلى أن 1 من كل 500 طفل في العالم يصاب بالتوحد ، وإلى أن 10% من نسبة مجموع سكان العالم واقعون ضمن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة التي يشكل التوحديون جزءا كبيرا منها .
في المملكة بلغت الإحصائيات الأوليّة لمرضى التوحد عام 2005م 120،000 مصابا ، في منطقة مكة المكرمة وحدها 11933 مريضا ، مع يقيننا بوجود أعداد كبيرة خارج هذه الأرقام ، إما جهلا من الأسرة بأعراض بالمرض أو مضاعفاته ، أو خجلا من الاعتراف بوجوده كما تشير بعض التحقيقات الصحفية المحليّة .
في بلادنا عدد من المراكز المتخصصة في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومنهم أطفال التوحد ، لكن لا نملك أرقاما دقيقة معلنة عن عدد المراكز المتخصصة في التوحد ، ولا العدد الحقيقي للمصابين بسبب التكتم الشديد على المعلومات . لكننا نعرف معاناة كثير من الأسر التي تشتت أبناؤها في دول عربية عديدة بحثا عن أياد حانية ، و مراكز رعاية متميّزة لديها خبراء وتربويون متخصصون في إعاقة التوحد .
إن رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة دليل من دلائل
الشهود الحضاري لأي أمة من الأمم ، فالأمم إنما تنصر بضعفائها ، ومن المؤسف أن رعاية أطفال التوحد في بلادنا تعاني قصورا فاضحا لا يليق بمكانة بلادنا ، ولا بقدراتنا المالية ، ولا بأبناء هذا الوطن العظيم .
إن 120000 طفل توحدي بحاجة إلى أكثر من عشرين مركز متخصص ،تنتشر في جميع مناطق المملكة ، رعاية لهؤلاء المتعبين الذين لا يعرف معاناتهم إلا الذين عاشوا حرقتهم ، واصطلوا بنار ضعفهم . هؤلاء فئة تعيش موتا بطيئا ، فهم في عالم يلفه الصمت ، وتحيط به الأقفاص من كل جانب ، ومن فيه صغار زغب الحواصل ، جف هديلهم ،وتكسرت أجنحتهم ، بحاجة ماسّة إلى من يعيد إلى حناجرهم حلاوة الكلمات ، وإلى أجنحتهم حفيف الريش كي يحلقوا في عوالم البهجة والفراشات الملونة .
أيها الموسرون ، في مدن الوطن وقراه ، كثير من هذه العصافير تحتاج إلى أن تمنحوها لذة الكلام ، ورحابة التحليق . ابدءوا في تلمس حاجيات هذه الكائنات الغضة ، امسحوا على رؤوسهم ، آزروا أهلهم ، فو الله لا يؤمن من بات شبعا وجاره جائع .
يا وزارة الشؤون الاجتماعية نريد شفافية في المعلومات ، ودقة في الإحصائيات ، الداء ممن لديه الدواء ، والابتلاء من خالق الأرض والسماء ، ليس عارا أن تعلنوا الحقيقة ، العار أن يظل أبناؤنا منفيين خارج الوطن يعيشون داء التوحد وداء الغربة ، ويعيش أهلوهم مرارة المعاناة وحرقة الانتظار .
امنحوا هذه الزهور الأمل فإن الإنسان يمكن أن يعيش بلا كلمات ، والعصفور بلا فضاء ، ولكن يستحيل أن يعيشا بلا أمل ، دمتم بخير .
Ssz1961@hotmail.com
نقلاً عن جريدة المدينة