د. كميل موسى فرام
نقلاً عن صحيفة الرأي الأردنية
مجلة احتياجات خاصة
الحمل رحلة جميلة في قطار العمر، قد تمر خلالها السيدة الحامل بمحطات صعبة، ورحلة الحمل بتقديري لا تنتهي مخاطرها إلا بعد الولادة والخروج من المستشفى لكلا الطرفين مهما كانت طريقة الولادة.
الهدف الأساسي هو المحافظة على صحة المرأة الحامل ولمسات الجمال فيها، وأحد المحطات الصعبة في هذه الرحلة تتمثل في واحدة من أعاصير الحمل المؤذية، ولو تأخر التعامل معها أو أن التعامل معها في غير الضرورة القاسية والتي تتمثل بارتفاع ضغط الدم خلال فترة الحمل وهي حالة من الحالات المرافقة للحمل أحيانا وتصيب ما نسبته 5% من النساء الحوامل، وتتميز بارتفاع في ضغط الدم كعارض مرضي جديد أثناء الحمل مع وجود زلال في البول ووجود احتباس للسوائل في الأطراف السفلية للجسم. وللعلم فارتفاع ضغط الدم مع أو بدون أحد الأعراض المرافقة له من تواجد الزلال في البول أو احتباس السوائل فذلك (أي ارتفاع ضغط الدم لوحده) يكفي لتشخيص المرض والتعامل معه. وغالبا ما يأتي بعد الأسبوع العشرين (20) من الحمل باستثناء حالات محددة مثل الحمل العنقودي أو الحمل المتعدد الأجنة فقد يحدث ذلك الارتفاع في وقت مبكر. وقبل الإبحار في موجات المرض أريد التوضيح للتعريف الفسيولوجي لضغط الدم ومستوى أرقامه حتى يسهل للقارىء تحليل المصطلحات الخاصة بالمرض، فضغط الدم بحد ذاته ينتج عن التفاعل بين نتاج القلب (كمية الدم التي يضخها القلب في الدقيقة الواحدة) والمقاومة الطرفية للأوعية الدموية، وتتكون قراءة ضغط الدم كما هو معروف من الضغط الانقباضي ويعني ضغط الدم حين انقباض عضلة القلب وهي القراءة العلوية للقياس، والضغط الانبساطي ويعني ضغط الدم حين ارتخاء عضلة القلب وهي القراءة السفلية وضغط الدم الطبيعي بالنسبة للبالغين هي حدود نسبية تتراوح أرقامها غالبا 120-80 مليميتر زئبقي ولا أقصد هنا رقما محددا، بل حدودا رقمية سلبا وايجابا ويعتبر الشخص مصابا بارتفاع ضغط الدم حينما تكون قراءة ضغط الدم أعلى من 130-90 مليميتر زئبقي باستمرار، وفي الحمل يجب أن تسجل القراءة لمرتين متتاليتين بفارق زمني يزيد عن ست ساعات حتى يوجب تشخيص الحالة، والتي لا يلزمها وجود أعراض مرضية مرافقة، وقد يتطور ارتفاع ضغط الدم إلى مضاعفات أثناء الحمل والتي تشكل خطورة مشتركة على شقي المعادلة: الأم والجنين بسبب التشنجات العصبية وما يرافقها من فشل وظيفي لجميع الأعضاء الرئيسية والتي تشمل القلب والدماغ والكلى والكبد واللسان وغيرها.
(تسمم الحمل)ومجازية الاسم
لا يوجد علاقة بين الاسم من زاوية التسمم والواقع المرضي لهذا الأمر المرضي في الحمل، حيث أن البدايات لإطلاق هذا الاسم تعود إلى سنوات قديمة عندما كان يعتقد أن أعراض هذه المتلازمة المرضية مرتبط بالحمل وبعد أسابيع معينة من البدايات، وحيث أن هناك المشيمة هي العضو الوحيد الجديد، فقد اعتقد أنها تفرز سموما تتسبب بهذا المرض كونها تسبب تورما في جميع مناطق الجسم وخصوصا في منطقة العين والأطراف، ولكونه كان مرضا قاتلا في بداياته وما زالت سمعته السيئة عالقة في أذهان الناس حتى يومنا هذا فقد استقرت التسمية في أعراف الناس وقاموسها حتى اليوم وعلى ألسنة الجميع، وعليه فالحقيقة فليس هو بالتسمم كما هو مألوف لدى الجميع - وقد يكون هناك سم حقيقي لكنه لم يكتشف حتى الآن - لكن يطلق هذا الاسم تجاوزا بصورة وراثية حتى على ألسنة الأطباء، وهو حالة مرضية أثناء النصف الثاني من الحمل يعتقد بأنها ناتجة عن مشاكل في المشيمة، أي الجزء الذي يغذي الطفل في الرحم. ويمكن أن تنشأ هذه الحالة في أي وقت بعد أسبوع منتصف الحمل. ونسبة حدوثه كما ذكرت تعتبر عالية (بحدود 5% من الحوامل) وتطوره لمرحلة التشنجات ليست نادرة، حيث تبين أن امرأة واحدة تتأثر من بين 16 حالة حمل تعاني من ما يعرف بتسمم الحمل. وتأتي أعراض تسمم الحمل بصورتها المنذرة الدقيقة على شكل صداع مستمر، وألم تحت الأضلاع على الجهة اليمنى، وعدم وضوح في الرؤية، وانتفاخ في اليدين والقدمين بشكل مفاجىء، وتقيؤ وفقدان للشهية وتغير في سلوك حركة الجنين المعتادة.
متلازمة تسمم الحمل
هناك متلازمة ثلاثية معروفة للتشخيص وهي ارتفاع بضغط الدم أثناء النصف الثاني من الحمل وخصوصا في الأحمال الأولى، وزيادة كبيرة بالوزن (تورم بالجسم) فوق المتوقع، واضطراب بوظائف الكلى وأهمها ظهور الزلال (البروتين) بالبول والتي تشكل في مجموعها ما هو متعارف عليه بتسمم الحمل. وإذا رجعنا إلى الأسباب التي تؤدي إلى هذه المضاعفات فلن نصل إلى سبب مباشر في حدود علمنا اليوم، ولكن مع تواصل العلماء على مدار الساعة لتفسير هذه الظاهرة فقد أثيرت الشكوك التي تشير إلى أن هناك آراء نظرية يمكن بها تفسير حدوث هذه المضاعفات أو التسمم كما هو الاسم المتدارج وهي افتراض نقص وصول الدم إلى الرحم، سواء أكان هذا بسبب اضطراب عصبي أو ضيق الأوعية الدموية التي تصل إلى الرحم أو خلل بوظيفة الكلى أو خلل مناعي، فيؤدي ذلك لنتيجة واحدة وهي أن الدم لا يصبح كافيا وهذا بدوره يؤدي إلى عدم ملائمة الدورة الدموية لازدياد المطالب من الدم وخاصة في أواخر الحمل. وعليه فيجب أن يشخص المرض مبكرا حتى لا تزيد المضاعفات وتؤثر على حياة الأم والجنين، وأهم أعراض هذا المرض هو القيء المستمر، والغثيان الشديد مع ازدياد ملحوظ في وزن الحامل أكثر من المعدل العادي، وارتفاع ضغط الدم نتيجة التأثيرات التي تحدث على الكلى.
والحقيقة أنه لم يعرف حتى الآن ما هو سبب الآخر؟ ! فهل ارتفاع ضغط الدم أدى إلى اضطراب في وظائف الكلى؟ أم أن اضطراب الكلى أدي إلى ارتفاع ضغط الدم؟ النتيجة في كلا الاتجاهين واحدة والضحية واحدة (الأم والجنين).
وهنا وقفة يجب التنبيه إليها وهو أنه توجد حالات تعرف باسم التسمم في الحمل غير النوعي وفيها يظهر ارتفاع ضغط الدم مع التهاب في الكلي الذي يكون موجودا قبل الحمل وإذا لم يتسبب في ارتفاع ضغط الدم في بداية الحمل أو قبله فإنها تسببه بعد حدوث الحمل وبالتقريب عند الأسبوع الرابع والعشرين أي بعد ستة شهور تقريبا أو يزيد قليلا.
ويعتبر قياس ضغط الدم وإجراء فحص البول الروتيني أحد أساسيات رعاية الحوامل، وتؤخذ للمرة الأولى في الزيارة الأولى وتدون في نموذج رعاية الحامل كإجراء أساسي، ووجود اختلال عن المستوى الطبيعي يتطلب إجراء طبيا مناسبا، وفي النصف الثاني من الحمل يصبح هذان الفحصان روتينا أساسيا لرعاية السيدة الحامل في كل زيارة طبية، ويجب على السيدة الحامل أن تتثقف وتعلم أنه بحلول الشهر السادس من الحمل، يكون جسمها قد أنتج كمية إضافية من الدم تعادل كمية الدم العادية مرتين ونصف، ويكون على القلب أن يضخها إلى كافة أنحاء الجسم حيث تنقل كمية الدم الإضافية الغذاء والأوكسجين إلى الجنين عبر المشيمة والحبل السري، كما أنها تزيل الفضلات التي ينتجها الجنين.
وفي الظروف العادية فإن هذا النشاط الإضافي يزيد حرارة الجسم العادية، وهناك هرمون البروجيستيرون الذي يفرزه الجسم أثناء الحمل بكميات إضافية كبيرة، من أجل تخفيف الضغط على جدار الأوعية الدموية، وهناك المشيمة التي تشكل مساحة كبيرة للدورة الدموية ولذلك غالبا ما ينخفض ضغط الدم في منتصف فترة الحمل، والذي سيعود إلى معدله الطبيعي في الأسابيع الأخيرة من الحمل. والمحافظة على مستوى الضغط بحدوده أمرا لا يحتمل التفسير بغير أرقامه ولا يحتاج لحسن النية والشفقة والعواطف.
قياس الضغط لتشخيص الحالة
لو أكتشف ارتفاع بضغط الدم أو هناك أعراض مرضية مشككة فيجب أن يقاس معدل ضغط الدم لمرتين متتاليتين بفاصل زمني لا يقل عن ست ساعات حيث يسجل في العادة رقمين، الأول هو معدل الضغط ''الانقباضي''، والثاني هو معدل الضغط ''الانبساطي''، ولهذا السبب، يتألف ضغط الدم من رقمين، فمثلا، قد نجد الضغط لمعدل 130/ 90 مليميتر زئبقي وهو في حدود الأرقام العليا لكلا الجانبين، ومعدل الضغط الطبيعي للمرأة الحامل يكون مختلفا عن معدل ضغط امرأة أخرى حامل، الأمر الذي يمنع المقارنة بين النساء.
وهنا يجب التركيز على مراقبة الضغط الانبساطي (الثاني، أي المقام أو العدد الأصغر) عن كثب خلال فترة الحمل. وبشكل عام، يكون معدل ضغط الدم عند المرأة الشابة التي لا تعاني من أية مشاكل صحية بين 110/70 و 120/80 مليميتر زئبقي وفي حال كان ضغط الدم بمعدل أعلى من 140/90 مليميتر زئبقي لمرتين متتاليتين في أسبوع واحد، في حين أن معدل الضغط للسيدة بالمجال الطبيعي بالإجمال، فستشخص السيدة الحامل أنها تعاني من ارتفاع ضغط الدم مع الحمل وهو الاسم العلمي الدقيق لهذا المرض والذي يسمى تسمم الحمل.
وقياس ضغط الدم باستمرار أثناء الحمل يهدف لتحديد مستوى ضغط الدم والمحافظة عليه، واكتشاف ارتفاع الضغط البسيط لا يدل بالضرورة على وجود مشكلة، فقد يكون ناتجا عن بعض الضغط النفسي أو التوتر أو بسبب التأخر عن موعد الفحص الطبي، وفي الحقيقة، لا يمكن للسيدة الحامل القيام بأي شيء للحفاظ على ضغط دم منخفض حتى ولو ظهرت عندها المؤشرات المبكرة لحالة ارتفاع ضغط الدم. وفي حال بدأ ضغط الدم بالارتفاع، تكون نتائج الفحص المنتظم للبول حاسمة في مسألة تحديد الخطوة التالية، فإذا ما تبين وجود البروتين في البول، والذي قد يصاحبه تورم في الوجه أو الأطراف، فعندها من المحتمل أنك تكون السيدة قد دخلت في المراحل الأولى لحالة ارتفاع ضغط الدم المصاحبة للحمل ''تسمم الحمل''، وبالتالي ستحتاج إلى إجراء المزيد من الفحوصات وبشكل متكرر مع عناية حثيثة متواصلة.
وبتكرار البحوث الطبية لهذا الأمر فقد اقترح العديد من المهتمين أن حدوث المرض يعود إلى عوامل وراثية، ومناعية، وعوامل تتعلق بالغدد الصماء، والغذاء، والعدوى كأسباب مسئولة عن تولد المرض. وبالرغم من كمية ونوعية وضخامة الأبحاث الموسعة، فلم يتم الوصول إلى سبب محدد ويقين. فالمشيمة وأغشية الجنين من الممكن أن يكون لها دور كبير بدليل تحسن الحالات بعد الولادة، ومن الممكن أيضا أن يكون هناك عامل مناعي تولد بحكم الحمل تسبب بكل هذه الأعراض المرضية، وأيضا هناك فرضية القصور في الإمداد الدموي للمشيمة والرحم، فمن الممكن أن يكون مرتبط بتولد المرض، فالعلماء يفترضون أن القصور في الإمداد الدموي للمشيمة والرحم يهيئ لإنتاج وإطلاق وسائط كيماوية حيوية تدخل الدورة الدموية للأم وتسبب خلل وظيفي واسع النطاق لبطانة الرحم، كما تسبب تضيق وانقباض بشرايين الجسم بشكل عام، وارتفاع ضغط الدم ''تسمم الحمل'' يسبب نقص وقصور في وظائف أعضاء الجسم المتعددة مثل الجهاز العصبي المركزي، والدم، والكبد، والكلى، والقلب، والجهاز الدوري، وشدة المرض تعود إلى عوامل طبية، وعوامل تتعلق بالحمل بحد ذاته. وعادة يحدث المرض دون تفضيل عرقي واضح بين الأجناس ويختلف توقيت حدوثه في الأجناس والعرقيات وبشكل عام تبلغ نسبة حدوث مرض ارتفاع ضغط الدم المصاحب للحمل بمجملها حوالي 5% من الحوامل بشكل عام، منها حوالي 25% تحدث قبل الولادة، وحوالي 50% أثناء الولادة وحوالي 25% بعد الولادة.
د. كميل موسى فرام
اختصاصي النسائية والتوليد
مستشفى الجامعة الأردنية أستاذ مشارك
كلية الطب/ الجامعة الأردنية